0 تصويتات
سُئل في تصنيف الكويت بواسطة (29.2ألف نقاط)
في شهر مايو/أيار من كل عام، كانت آلاف السفن تخرج من مدن الخليج متوجهة إلى مغاصات اللؤلؤ في رحلة كل سنة دائمة، وكانت تلك السفن تتجمع في تلك المغاصات فيما يشبه التكتلات، فتجمعها مع عدد من يقدم لها الحماية من اللصوص، كما ان سفن كل بلد تتجمع ليتعارف عناصرها إلى البعض منهم البعض، وليقتلوا الزمن الطويل الذي تستغرقه تلك الرحلات المرهقة والتي تدوم عادة أربعة أشهر، في الزيارات وجلسات السمر المسائية، وتناقل أنباء الأهل والأماكن التي ينتمون اليها، كانت مغاصات اللؤلؤ هي مؤسسات تجمع العمل في هذه المهنة الخطرة والشاقة، ولم تكن كل مناطق الخليج البحرية مغاصات أو “هيرات” كما تُدعى محلياً، ولكن كان هناك أماكن معينة ومعروفة لدى نواخذة السفن، ورسمت الكثير من الخرائط التي تحدد مواقع تلك الهيرات في الخليج، وهناك خرائط رسمت على مدى أعوام القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين من قبل عدد من النواخذة الخبراء في تلك الأماكن, ومن يطلع على الكتب ذات الاختصاص بحرفة اللؤلؤ ما إذا المكتوبة باللغات الأجنبية أو العربية، لا بد أن يكتشف بعضاً من تلك الخرائط، وهناك خريطة مشهورة لمواقع اللؤلؤ رسمها مانع بن راشد آل مكتوم خلال نصف القرن العشرين في مواقع هيرات اللؤلو في الخليج، وسنحاول معرفة ما كتب عن تلك المغاصات في الكتب والوثائق البريطانية.

هناك فرقة من العوامل المتنوعة التي كانت تلعب دوراً في تشكيل مغاصات اللؤلؤ أو ما يسمى باللهجة الخليجية “الهيرات”، أبرزها التركيب الجيولوجي للقاع ودرجة الحرارة الملائمة وضحالة المياه، فهذه مجتمعة، إذا اتيحت بالنسب اللازمة تكون أرضاً خصبة لنمو أصداف اللؤلؤ.

ويقول ديوراند مساعد المقيم البريطاني في الخليج في بيان كتبه عن اللؤلؤ عام 1878 إن تلك الأصداف أو المحارات متواجدة في مياه الخليج على الجانب العربي فحسب من رأس مسندم في مدخل الخليج في شريط طويل إلى عمق الخليج العربي، ويذكر انه لا توجد هيرات معروفة على الجانب الفارسي، وأنه نظر عينات من اللؤلؤ صغير الحجم، أصفر اللون وشديد اللمعان جمعت من جزيرة خرج المتاخمة لمدينة بوشهر الإيرانية.

ويحدد لوريمر الحزام الذي يحوي أبرز مغاصات اللؤلؤ في الخليج بنحو أزيد دقة ويقول: إن معظم هيرات اللؤلؤ تصل في خط من ساحل عمان على بعد أميال قليلة غرب مدينة دبي، ويمر شمال جزيرة صير بونعير، بعد ذلك ينحني لمسافة 20 أو 30 ميلاً من أقرب أرض ساحلية حول قطر والبحرين، ويتناقص حزام الهيرات شمال البحرين من حيث العرض، وينتهي عند جزيرة أبوعلي على الرغم من تواجد عدد من الهيرات الصغيرة إلى الشمال من جزيرة أبوعلي، أما عمق المياه والذي يلعب دوراً مهماً في تحديد ضرورة المغاصات فيبلغ 10 - 15 قامة بين ساحل عمان وقطر، ولكن هناك عدد من الأماكن التي يبلغ فيها عمق المياه ما بين 20 -23 قامة كما ان هناك عدد من المغاصات يبلغ عمق المياه فيها من 3-9 قامات، وهي التي تعتبر الأماكن الملائمة والرئيسية لعمليات الغوص في الجزء العربي من الخليج.

وكتب لويس بيلي المقيم السياسي البريطاني في الخليج في ستينات القرن التاسع عشر عدة مذكرات عن اللؤلؤ، ويقول في أحد مقالاته “تمتد مغاصات اللؤلؤ على طول الساحل العربي من الخليج، تحت بقليل من ميناء الكويت نَحوَ الشمال حتى المناطق المجاورة لرأس الخيمة جنوباً، هنالك ايضا عدد من المغاصات قرب من خرج، وفي نقاط أخرى على خط الساحل الفارسي، ولكن الأخيرة ليست ذات اهمية كبرى حيث انها أقل اتساعاً ووفرة وربحاً، وتعد المغاصات على طول الساحل العربي ملكاً للعرب بصفة عامة، فعلى مسعى المثال، يمكن للعربي الكويتي الغوص على طول ساحل البحرين أو رأس الخيمة أو العكس، بيد ان اي شخص آخر ليس من عرب الساحل لا يحق له الغوص، وقد يسبب اي تطفل من جانب الأجانب خوفاً واستياءً على طول خط الساحل.

أما عن اكبر الهيرات فيقول لوريمر إن اكبرها وأكثرها انتاجاً تقع في الجانب العربي من الخليج، وتستغل كل عام واغناها تلك التي تقع شمال وشرق البحرين (4).

ويحدد ديوراند بعضاً من أشهر الهيرات في السبعينات من القرن التاسع عشر وهي هيرات دحي وشلتاية وجمرة وعرفاج.

وتوجد الهيرات في أبعاد متعددة من السواحل حتى عمق 70 ميلاً الى داخل مياه الخليج، وتوجد في كل الأعماق حتى 18 قامة على الأقل، ويحتمل وجودها في المياه الأشد عمقاً التي تقع وسط مياه الخليج حيث لا يستطيع الغواصون الخليجيون عن التوصل اليها، ويعتقد الغواصون ان هناك قيعاناً في مداخل ساحل منطقة رؤوس الجبال حيث يبلغ العمق ما بين 21-25 قامة.

وكان عدم سعة الغواصين العرب على التوصل للاعماق الكبيرة في الخليج، عامل إغراء للغواصين الأجانب كون الغواصين العرب عاجزين عن الصيد فيها وكما ذكرنا في السابق كانت هناك محاولات أجنبية للغوص منذ نصف القرن التاسع عشر، سبقتها إقتراحات من عدد من المسؤولين البريطانيين والهولنديين وغيرهم قبل ذلك التاريخ بمرحلة طويلة، فعلى مسعى المثال كتب البارون فون كينبها وزن ممثل مؤسسة الهند الشرقية الهولندية الذي كان يسكن في جزيرة خرج في الخليج تقريراً مفصلاً الى مدير المجلس الأعلى في بتافيا بتاريخ 15 اكتوبر/تشرين الأول 1757م اقترح فيه اقامة منشأة في الجزيرة لتطوير صيد وتجارة اللؤلؤ، وفي هذه الوثيقة وهي أسفل عنوان “صيد اللؤلؤ في الخليج عام 1757م” من خلال كينبها وزن عن آرائه حول التوقعات الكبرى للتنمية الصناعية لصيد اللؤلؤ، وقدم إقتراحات باستعمال أدواتْ غوص زجاجية للغواصين، ويقول حول هذا الموضوع: “إن إحدى الوسائل الأخرى التي من الممكن ان تستعمل بتكلفة أقل وبطريقة مربحة في صيد اللؤلؤ تشمل أدواتْ غطس زجاجية تبعث من البلاد من أجل التجربة، وكما تعلمون سعادتكم، فإن هذا الاقتراح ظهر قبل أعوام قليلة في انجلترا، واستخدم بنجاح في الغطس من أجل السفن الغارقة، إن أدواتْ الغوص هذه لا استطاع مستخدمها من التوصل إلى الأعماق فحسب، بل على البقاء أسفل الماء لمدة طويلة، والقيام بالعمل المطلوب، ان هذه الآلات تبشر بمكاسب هائلة لصيد اللؤلؤ حيث ان المرء قد يكتشف هناك أحسن الحصاد، ولا ينبغي على الغواص الغطس سريعاً بداعي احتياجه للهواء، بل سوف يكون لديه الزمن للبحث جيداً، والقدرة على ملء سلال ضخمة بالمحار، وبهذه الطريقة يمكن للفرد ان يؤول عمل أربعة غواصين أو أزيد بآلية أفضل”.

ويبدو أن هذه الدعوة لم تجد لها صدى قوياً في هولندا في ذلك الوقت، بالرغم من العثور الهولندي القوي في منطقة الخليج ومنافسته للوجود البريطاني، قبل ان يصبح الخليج بحيرة حادثة أسفل النفوذ البريطاني منذ اوائل القرن التاسع عشر، وكما ذكرنا سابقاً، فقد توقيف الانجليز منذ سيطرتهم على المنطقة ضد اي محاولات اجنبية لاستغلال مغاصات اللؤلؤ لتثبيت العثور الأوروبي مرة أخرى في الخليج، ويقول لوبارون: إن الانجليز منعوا استعمال بذلة الغوص ومعداته ذات الهواء المضغوط وغيرها وفرضوا عُقُوبَة قدرها 30 ألف روبية (9 آلاف جنيه استرليني) على من ينتهك القانون (8) وبالرغم من الحظر البريطاني، والمحاولات الاجنبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي اختتمت إلى الفشل، إلا ان تلك المحاولات لم تكف حتى بعد سقوط اللؤلؤ، ومنها محاولة قام بها عدد من الموظفين الايطاليين الذين يعملون عند أحد رجال الاعمال السعوديين خلال موسم الغوص عام ،1935 حيث لبس هؤلاء بذلات للغوص في المياه العميقة، وكان مسؤولو الجمرك العرب في السعودية والبحرين ينظرون بريبة الى غواصي شركات النفط الذين كانوا يمضون زمناً طويلاً أسفل الماء وهم يتفحصون خطوط الأنابيب والارصفة الممتدة أسفل البحر، وكانوا يراقبونهم من خلال المنظار ليروا إن كانوا يخرجون معهم المحار (9).

نظراً لكون مغاصات اللؤلؤ، وهو اسم يطلق على مصائد اللؤلؤ بصفة عامة، تتحكم في تشكيلها العوامل الجيولوجية ودرجة الحرارة ومستوى العمق، فإن مسمياتها الخاصة تختلف وفق جودة المغاص، ويقول لوريمر إن مصطلح “هير” أي مغاص، وجمعها هيرات يطلق على المغاصات ذات القيعان المستوية، وربما أصبح هذا الاسم شائعاً في الخليج كمسمى لمغاصات اللؤلؤ كون معظم المغاصات ذات قيعان مستوية وفي مياه ليست عميقة، وهي البيئة الملائمة والشائعة لدى غواصي الخليج، أما قيعان المحار التي توجد في المناطق غير المستوية والمحاطة بمياه أعمق فتسمى “نجوات” ومفردها “نجوة” وتلفظ في الخليج “نيوة” ويؤكد لوريمر أن الهيرات كانت معروفة منذ القدم، في حين ان النجوات مسمى حديث لأماكن جديدة يَرفَعْ بعضها اسم مكتشفيها، والهيرات المثالية هي المستوية السطح، وتسقط في المياه الصافية، وتحتوي على شعب مرجانية دقيقة مائلة إلى البياض، ومن المعتقدات المُنتشرة ان امتزاج الطين أو الوحل مع ذرات الرمل من العوامل المضرة باللؤلؤ، وأن القيعان التي تتصف بهذا العيب ينضب معينها من اللؤلؤ سريعاً.

قبل أن نتحدث عن اللؤلؤ وأنواعه وأسواقه، سنحاول معرفة أنواع المحار الذي يوجد بداخله اللؤلؤ، فالغواص ينزل إلى البحر ليلتقط المحار، وليس اللؤلؤ بنحو مباشر، والمحار الملتقط عدة أنواع، وكل طراز يوجد به أنواع متعددة من اللؤلؤ، ويقول ديورند إن المحار ثلاثة أنواع: الزني، الصديفي، المحار على التوالي، ومن هذه الأنواع الثلاثة، يعتبر المحار أفضلها حيث يشتمل أجود أنواع اللؤلؤ، ويوجد المحار عادة في المياه العميقة، أو في مياه أعمق من التي يوجد بها النوعان الآخران، ويأتي الصديفي في الرتبة الثانية، وصدفته أطول من المحار، ولكنه لا يصنع اللؤلؤ الابيض ثقيل الوزن مثل المحار، ولكن يمكن تطوير نوعيته بالاحتفاظ به مدة طويلة، وتشتهر بإنتاجه المنطقة المجاورة لرؤوس الجبال عند مدخل الخليج، والزني أقل هذه الأنواع قيمة، فاللؤلؤة التي يحملها طفيفة الوزن، فضلاً عن انها قابلة لتغير لونها، وهي عيوب لا توجد في المحار، ولكن محار الزني اصبح مرغوباً في سبعينات القرن التاسع عشر بداعي اندفاع الأوروبيين لاستعمال الحلي المصنوعة من اللؤلؤ، وقد جمع التجار ثروة طائلة من خلف ذلك.

ويشير لوريمر في كلامه عن المحار إلى انه لا يلتصق عادة بالمغاص الذي ينمو فيه، ولكنه إما ان يستقر في الرمل، أو يرتبط بأجزاء من الشعب المرجانية والأعشاب البحرية، وفي عدد من الحالات يتجمع مع بعضه البعض في مسافة صغيرة تُدعى “تبري” وجمعها “تباري” ويقال ان مثل هذا التكوين غالباً ما يكون غنياً باللؤلؤ.

ويرى ديورند ان العثور الجماعي للمحار والمتمثل في التباري كان معروفاً لدى كتَّاب التاريخ والرحالة القدامى مثل بليني، وخرج هؤلاء جميعاً برأي يقول ان المحار يسكن في مجموعات مثل النحل أسفل قيادة محارة بالغة المقاس وكبيرة السن أو جميلة الشكل والتي تتخذ الاحتياطات الضرورية ضد اي خوف قادم، ولحماية الزعيمة، فإن صغار المحار يروح ضحية لذلك. (13)

من فضلك سجل دخولك أو قم بتسجيل حساب للإجابة على هذا السؤال

كويت انفو

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
0 إجابة
سُئل مايو 11، 2020 في تصنيف الكويت بواسطة admin (29.2ألف نقاط)
0 تصويتات
0 إجابة
سُئل أكتوبر 10، 2020 في تصنيف الكويت بواسطة admin (29.2ألف نقاط)
0 تصويتات
0 إجابة
سُئل مايو 28، 2020 في تصنيف الكويت بواسطة admin (29.2ألف نقاط)
0 تصويتات
0 إجابة
سُئل ديسمبر 28، 2019 في تصنيف الكويت بواسطة admin (29.2ألف نقاط)
0 تصويتات
0 إجابة
سُئل سبتمبر 1، 2020 في تصنيف الكويت بواسطة admin (29.2ألف نقاط)
...